مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

طيب القول

محاصرة الانفلات الأخلاقي أمنيا حماية من تجاوزات الـ«ترند»



في مواجهة متغيرات العصر الرقمي، لم تعد حماية المجتمع من السلوكيات المخالفة للآداب العامة مسؤولية تبدأ وتنتهي في الشارع، وإنما امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة مفتوحة لتداول الصور ومقاطع الفيديو على نطاق واسع.
وقد نجحت أجهزة وزارة الداخلية نجاحاً كبيراً في رصد ومواجهة الوقائع التي تشكل جرائم أو مخالفات قانونية عبر الوسائل التكنولوجية، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال مرتكبيها، في إطار حماية المجتمع واحترام حقوق الأفراد.
وتبقى المواجهة الأمنية أحد أضلاع منظومة أوسع، أساسها التربية السليمة والوعي الديني والمجتمعي والإعلام المسؤول، حتى لا تتحول منصات التواصل إلى وسيلة لنشر السلوكيات المرفوضة أو انتهاك الخصوصية.
خاصة بعد أن فرض الانتشار الهائل لمواقع التواصل واقعًا جديدًا، أصبحت فيه الصورة والفيديو قادرين على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق. وبينما تمثل هذه المنصات مساحة مهمة للتعبير والتواصل، فإن استخدامها في ارتكاب جرائم أو نشر محتوى مخالف للقانون يفتح الباب أمام المساءلة.
وهنا يأتي دور الأجهزة المختصة بوزارة الداخلية في التعامل مع البلاغات والوقائع التي يتم رصدها، وفحص المحتوى المتداول، وتحديد المسؤولين عن ارتكاب الأفعال التي تشكل مخالفات قانونية، وفقًا للإجراءات المقررة.
فلم يعد مرتكب المخالفة قادرًا على اعتبار الفضاء الإلكتروني منطقة بعيدة عن الرقابة القانونية. فالتطور التكنولوجي الذي أتاح انتشار المحتوى بسرعة، أتاح في المقابل للأجهزة الأمنية المتخصصة إمكانات أكثر تطورًا في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية.
وتشمل المواجهة أنماطًا متعددة من الجرائم التي تستخدم التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في ارتكابها، مع أهمية عدم الخلط بين النقد أو التعبير المشروع وبين الأفعال التي يجرمها القانون.
وتزداد خطورة بعض الوقائع عندما يتم تصويرها ثم نشرها وإعادة تداولها بهدف تحقيق الشهرة أو زيادة المشاهدات. فبدل أن تظل المخالفة واقعة محدودة، يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى محتوى واسع الانتشار.
ومن هنا تبرز أهمية التعامل القانوني مع المحتوى المخالف، إلى جانب مسؤولية مستخدمي مواقع التواصل في عدم المشاركة في نشر المواد التي تنتهك الخصوصية أو تحرض على سلوكيات غير قانونية أو مسيئة للمجتمع.
وإيمانا منا جميعا بأن القانون فوق الجميع، فإن المواجهة الحقيقية لا تقوم على إصدار أحكام عبر مواقع التواصل، وإنما على الاحتكام إلى القانون والجهات المختصة. فكل واقعة لها ملابساتها، وكل متهم له حقوق قانونية، ولا يجوز أن تتحول منصات التواصل إلى محاكم شعبية.
وفي الوقت نفسه، فإن تطبيق القانون على الأفعال التي تشكل جرائم يمثل رسالة واضحة بأن التطور التكنولوجي لا يعني سقوط المسؤولية القانونية، وأن استخدام الهاتف أو الحساب الإلكتروني لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة.
ويبقى الدور الأمني مهمًا في ضبط المخالفين وحماية المجتمع، لكنه لا يكفي وحده لبناء منظومة أخلاقية مستقرة. فالمعركة الحقيقية تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الأبناء احترام الآخرين والحفاظ على الخصوصية، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية.
كما أن للمستخدم نفسه دورًا أساسيًا؛ فعدم إعادة نشر المحتوى المسيء، وعدم الترويج لأصحابه، وعدم تحويل السلوكيات المرفوضة إلى مادة للضحك أو الشهرة، كلها ممارسات تسهم في الحد من انتشارها.
إن حماية أخلاق المجتمع في العصر الرقمي لا تعني التضييق على الحريات، وإنما تعني أن تكون الحرية مقترنة بالمسؤولية، وأن يبقى القانون هو الفيصل، وأن تتكامل جهود الأمن مع الأسرة والتعليم والإعلام والمؤسسات الدينية لبناء مجتمع يحترم قيمه في الشارع كما يحترمها على شاشة الهاتف.
ولـ"تحيا" مصرنا ومجتمعنا بما تربينا عليه من قيم ومبادئ وأخلاقيات الدين والعرف والفطرة الإنسانية السليمة.